2011-07-23

كيف يكون الإعلام أداة تواصل حضاري؟

يقول د.عبدالكريم بكار في كتابه "تكوين المفكر": "لا أعتقد أننا نختلف في أن الدول الصناعية الكبرى هي التي تشكل اليوم روح العصر وعقله، وهي التي تضع شروط الحياة العصرية، وسواء أكان ذلك صحيحاً أو غير صحيح، وسواء أكان مما يعجبنا، أولا يعجبنا فإن هذه هي الحقيقة الساطعة، وقد كنا أيام ازدهار الحضارة الإسلامية نشكل روح العصر لمن حولنا، وكنا نضع لهم مواصفات التقدم وشروطه."


أخذت أفكر في هذا الكلام وبدأت تراودني الأفكار. إن الأمة التي تعد في أي عصر كان الأمة الأولى حضارياً، وذات الأسبقية في مختلف مجالات الحياة، هي الأمة التي تتطلع لها بقية الأمم –في ذلك العصر- بوصفها النموذج والمثال، وهي الأمة التي تضع معايير التقدم، وهي من يعرّف الرقي والحضارة والنهضة للعالم أجمع.

إن لكل أمة منهجاً أياً كان هذا المنهج. سواء أكان مؤلفاً حديثاً أو كان عبارة عن تراكمات من التراث التاريخي للأمة أو كان له مرجعية دينية معينة. وجود المنهج لا يعني أنه قوي في ذاته بالطبع، ولا يعني أن الأمة في مجموعها متمسكة به، بل تتفاوت درجة تمسكها به من عصر لآخر ومن جيل إلى جيل. وإن في فحوى أي منهج شروطاً أو معاييراً للتقدم، ونموذجاً للحياة المثالية، بيد أنه عندما لا تكون الأمة ذات أسبقية حضارية في ذلك الزمن فإنها تتنصل من نموذج الحياة ومعايير التقدم الخاصين بها والمستمدين من منهجها باتجاه النموذج والمعايير المستمدين من الأمة الرائدة حضارياً في ذلك الزمن. وتتفاوت درجة التنصل من النموذج والمعايير الخاصة بالأمة باتجاه النموذج والمعايير الخاصين بالأمة الرائدة حضارياً تبعاً لمدى قوة أو ضعف ذلك المنهج الخاص في ذاته، أو مدى قوة أو ضعف تمسك الأمة بمنهجها.

مثلاً، لو كانت الحضارة الصينية هي الرائدة في العالم في عصر ما، فمعايير التقدم ونموذج الحياة المثالية المستمدين من منهجها يؤثران في العالم أجمع، وتتطلع الأمم لإسقاطهما على واقعهما رغبة في المنافسة الحضارية، بيد أن ذلك يتفاوت من أمة لأمة بحسب قوة أو ضعف المنهج الخاص للأمة أو تمسك الأمة بذلك المنهج (الذي تستمد منه المعايير والنموذج).

في عصرنا هذا تحديداً غدا الإعلام مجالاً من مجالات الأسبقية الحضارية. والأمة الأولى اليوم هي الأولى في مجالات متعددة من ضمنها الإعلام بشقيه السياسي والترفيهي. هذا يعني بالضرورة إن إبهار الناس بنموذج الحياة المثالي ومعايير التقدم (من وجهة نظر تلك الأمة) غدا أسهل، وإقناعهم بجداوهما غدا أسرع في عصر السرعة. إن الأفلام والمسلسلات والروايات قادرة في ذاتها على تسهيل عملية تلميع النموذج والمعايير الغربية وإيصالها لمختلف أمم الأرض قاطبة. وأثر ذلك ملاحظ في بعض الدعوات المحلية التي هي في ظاهرها حضارية، بينما تستمد معاييرها الحضارية ونموذجها للحياة من المنهج الغربي.

أود أن أضيف أنه بنظري، كلما زاد تخلي الأمة عن معاييرها ونموذجها كلما زادت إمكانية تغلغل النموذج والمعايير المضادة فالعلاقة طردية تفاعلية.

إن استخدام الإعلام اليوم –بشقيه- بالمعايير الإعلامية –التقنية لا الحضارية- العالمية، في إيصال نموذج الحياة المثالية ومعايير التقدم على الطريقة الإسلامية، يجعلنا نأمل أن يجعل أمم الأرض تتطلع إلى هذا النموذج وهذه المعايير وكما قلنا "كلما زاد تخلي الأمة عن معاييرها ونموذجها كلما زادت إمكانية تغلغل النموذج والمعايير المضادة فالعلاقة طردية تفاعلية". وبذلك تستمر بإذن الله معادلة التأثير ويكون وقعها على الأمة الإسلامية قبل غيرها بأن تتخلى عن النماذج المغايرة باتجاه النماذج والمعايير المستمدة من منهجها وذلك بالطبع أقرب إلى طبيعتها.

خلاصة الأمر أنه بإمكاننا استخدام قنوات الإعلام المتعددة اليوم في ظل ثورة التواصل والتقنية الحديثة، في إيصال نموذجنا عن الحياة المثالية ومعاييرنا للتقدم للعالم أجمع، وبذلك يعود –بإذن الله- أبناء أمتنا إلى منهجهم، ويسهل علينا القيام بدورنا الحضاري عند اقتناع غيرنا بمعاييرنا وتطلعه إليها، والتي نرى بالطبع أنها الصواب (كما يرى غيرنا أن منهجه صواب ويبثه للعالم).




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق