2011-10-04

ما أهمية أن يكون لأي مدينة هوية؟

نتوقف اليوم لنجيب عن سؤالٍ هامٍّ للغاية طرحه أحد الأصدقاء، هو: ما أهمية أن يكون لأي مدينة هوية؟!
ورغم ما قد يبدو عليه السؤال من بساطة إلا أن مسألة الهُويّة مسألة مصيرية، فهي انعكاس لما يدور بخلد الإنسان، وهي ما يعبر عنه، ويسوق له، وهي التعبير الحقيقي للقيم التي يراها/تراها هذا/هذه الإنسان/المدينة..
إن إنساناً بلا هوّية هو شخص فاقد لذاته، تائه في حياته، مذبذب مشتت، كلما وجد واحة بدت له جميلة شدّته وجذبته، وأمالته واستمالته، لأن ليس له أرضاً صلبة يقف عليها.


وكذا الأمر في الشركات وفي المدن وفي الدول. تلك المدينة التي نتحدث عنها أحرزت الكثير على صعيد التقدم المادي الملموس، ناطحات السحاب التي تأخذ الألباب، الشوارع المنظمة، الإبداع في تحويل الصحراء إلى تحفة معمارية عالمية (وفق المفهوم الغربي للعالم) ... ومظاهر أخرى كثيرة نحييها ونتمنى وجودها في بقاعنا. يبد أن إعجابنا برقي شخص ما، وجمال مظهره، وكثرة ماله، واحترامه الظاهري للنظام، لايسوّغ إطلاقاً أن نتغاضى عن أنه لص مثلاً أو أنّه كذّاب. الهوية هي انعكاس للب الإنسان/المدينة وهي الباب الأول للحكم على هذا الإنسان/المدينة.

إن هنالك فرقاً جوهرياً بين المدنية والحضارة (بحسب د.طارق السويدان فإن الحضارة منبتها الفكر، والمدنية هي انعكاس الحضارة في أشكال مادية ملموسة). إننا نستطيع أن نجلب أحسن المهندسين، وأبرع المصممين، وأخبر الخبراء، ونعطيهم أموالنا ليبنوا لنا مدينة نموذجية، لكن.. هل هذه هي الحضارة المنشودة؟!

إن هنالك فرقاً جوهريّاً أيضاً بين الحضارة المصنوعة والمدنية المصطنعة، فرق بين الحضارة المنبثقة من أفكارٍ جالت بخلد أناس، أو تراث توارثوه، فبنوا على ضوءه حياتهم، ونظموا علاقاتهم، وأقاموا مجتمعاتهم، وبين مدنية مصطعنه، نظر أهلها إلى الحضارة التي تتسيد الأرض في تلك الحقبة الزمنية، فحاولوا استيراد مظاهرها المدنية، التي –قطعاً- لا تأتي وحدها، فهي كالـ ( الحزمة المتكاملة package ) تحمل معها الأفكار التي أسست لهذه المظاهر المدنية. ما العلاقة بين الحضارة والهوية؟ الهوية تجسد الحضارة، والحضارة تتجسد من الهوية.

نقطة أخيرة مهمة، إن كل حضارة من الحضارات، تقدم نموذجاً ترى أنه "النموذج المثالي للحياة" وعلى أساس ذلك النموذج تسوق لذاتها (وذلك بالطبع ينعكس على الهوّية). في تلك الآونة تأتي الأمم المتخلفة عن الركب، الفاقدة للمنهج، المتطلعة للنهوض، فتستورد ذلك النموذج، وتحاول تشذيبه، إلا أنه يظل مستورداً ولا أتوقع أن هذا هو الطريق الأمثل للنهضة التي تنشدها. أما الأمم الحاملة لسّلّمِ قِيَمٍ خاصٍ بها، تلك التي تحمل هويتها الخاصة، فهي التي تعيد تعريف التقدم، وهي التي تملي شروطها، وهي التي ما تزال تؤمن بنظرتها و"نموذجها المثالي للحياة" المستمد من أفكارها التي تصبغ هويتها.

الهوّية هي ما يميزك عن غيرك، هي ما يشكلك أنت، هي ما تستطيع أن تعرّف نفسك به، فإذا استأجرت لنفسك تعريف شخص آخر، تكون قد فقدت ذاتك. لنتذكر أيضاً أن "قلة الخطأ ليست صواب" والمقارنة تكون بالصواب فهو المعيار.
 يبقى السؤال يتردد: هل كان باستطاعة تلك المدينة -أو غيرها- تحقيق ذلك المستوى الرائع من التقدم المادي –أو أكثر- دون التضحية بالهوية؟



هناك 3 تعليقات:

  1. لا أعلم لماذا أستميت دفاعاً عن تلك الأرض التي "تفتقد" للهوية .. لا أعلم لماذا أجد "تعدد" الهويات أمراً إيجابياً ..
    ربما .. وأقول ربما .. لأني أستحضر تجربة ذلك الشاب الذي ترك بلده وأهله وأصدقاءه .. والأهم أخيه ذو الثلاث سنين .. ليحقق الحلم .. أو لنقل ليبدأ طريق تحقيق ذلك الحلم .. ربما ينبع حبه لتلك الأرض لأنها أعادت إحياء حلمه الذي مات ..
    ولأن الحلم مات .. لم يكن الشاب مهيأً فعلاً لبداية تلك الرحلة .. فهي جاءت "بسرعة" .. فها هو الشاب الذي لم يترك بلده لأكثر من أسبوع يغادره .. وهذه المرة في رحلة طويلة .. وصعبة .. رحلة من خلالها يرد ع كل من انتقد وشكك في قدرات هذا الشاب ..
    ربما هنا تكمن إيجابيات الأرض ذو الهويات المتعددة .. فالتعدد يتيح للأشخاص الذي يجيئون لها من كل حد وصوب للإندماج وللإحساس ولو قليلاً "برائحة" الوطن الذي أتوا منه ..
    ربما لهذا "أحب" أن أنظر لتعدد الهويات في هذه الأرض كإيجابية .. لا كسلبية من بين السلبيات العديدة لهذه الأرض .. فهل هناك شيء من غير سلبيات؟

    ردحذف
  2. عزيزي عبدالله..
    تعدد الهويّات في أي بلد قد يعد أمراً جيّداً وإيجابيّاً لكن بدون أن تفقد البلد هويتها الأم..
    فما بالك لو كانت تلك البلد بلداً مسلماً وهويتها الأصلية مرتبطة بالإسلام؟! ما الذي سيحدث عندما تفقد تلك الأرض هويتها..
    ثم إن حبنا لأرض ما لا يدفعنا للتغاضي عن سلبياتها، فحتى أنا أحببت الكثير منها..

    أشكر مرورك :)

    ردحذف
  3. حسنًا، أتفق مع حضرتك، لكني اعتقد أن الحضارة الإنسانية تراكمية، ولا بأس من استيراد بعض النماذج وتشذيبها.. التشذيب عملية إعادة تكييف للمنجز/الشكل المتحضر بمعايير زمن ما تشذيبًا يتناسب وهوية المكان/الثقافة!
    الهوية تعني الكثير، لكن لا تعني بالضرورة ابتداع كل شيء من العدم.. نحن كبشر/ثقافات.. نتشابه أكثر مما نختلف، فالتقليد/الاقتداء/الأخذ من حضارة الآخر ليس بالضرورة تهديدًا للهوية في أصلها... هكذا فكرت وأنا أقرأ، وربما لأني فكرت في نماذج محدودة!

    ردحذف