2011-12-08

حقوق ملكية فكرية؟!


المشهد رقم 1 "حقيقة":-
طالب المرحلة المتوسطة الذي بدأ يتساءل عن العالم من حوله من مقياس الحل والحرمة، يسأل أستاذاً من أساتذة التربية الإسلامية، عن حكم برامج الحاسوب المنسوخة، فيجيبه الأستاذ جواباً عجيباً بقوله: "لا أدري، لكن البرامج الأًصلية غالية"!
يبدو أن الطالب ذاك لم يقتنع كثيراً بـ(لكن البرامج الأصلية غالية)!

المشهد رقم 2 "حقيقة":-
طالب المرحلة المتوسطة إياه الذي غدا طالب المرحلة الثانوية. بطريقة عجيبة، وصل حواره مع أحد أساتذته إلى الحديث عن حقوق الملكية الفكرية. انطلق الأستاذ بأسى، متحدثاً عن مشروعه، حيث يملك الأستاذ صوتاً جميلاً وقد عمل على ألبوم فنّي، وصرف عليه عشرات الآلاف من الريالات، ولم يقم بنشر ألبومه بعد لأنه لم يكتمل. عقب الأستاذ على قصته: "لا أريد أن أكسب، أريد فقط أن أستعيد نقودي"!


في حال نزول الألبوم إلى الأسواق هناك أكثر من سيناريو متوقع، أحدهم: أن ينتشر ألبومه عبر الإنترنت بشكل مجاني بل وأحياناً بنوايا طيبة، ولا تعود الأموال لأستاذه، فيطلّق الفن أو يقلّ منه، ونخسر صوتاً جميلاً وفنّاناً موهوباً. وهناك سيناريو آخر محتمل: أن يشتري الناس النسخة الأصلية (الكترونيةً أو ملموسة) ويستعيد الأستاذ المبلغ وضعفيه، فيقرر أن يستثمر أكثر في ألبومه القادم، وتسطع إبداعاته أكثراً فأكثر، ويتألق نجمه، ونكسب فنانّاً ذا قيمة. أتوقع أن هنالك سيناريو محتمل أكثر من الآخر، وللأسف..

المشهد رقم 3 "حقيقة":-
طالب المرحلة الثانوية إياه غدا طالب المرحلة الجامعية، وبحكم اهتمامه بوسائل الترفيه المقدمة للأطفال، يزور عَلَمَاً من أعلام هذه الصناعة في المنطقة. وضمن حديث طويل، يخبره ذلك الخبير، أنه أنتج فيلمه الأخير منذ مدة، ولم يقم بتنزيله على اسطوانات مضغوطة حتى الآن. لا أعتقد أننا نحتاج إلى آينشتاين ليستنتج لنا السبب المتوقع.

المشهد رقم 4 "حقيقة":-
أحد أشهر المدربين في الوطن العربي، كان يتحدث عن إدارة الوقت، وفي خضم حديثه تطرق إلى موضوع "القراءة السريعة" وذكر أن هنالك برامج أجنبية لتدريب العين على هذه المهارة. والمؤسف أنه ذكر أنه لا توجد برامج عربية لذلك، وأنهم فكروا في إنشاء برنامج عربي للتدريب على القراءة السريعة إلا أنه "ما الفائدة أن يباع بدينار ونصف في النهاية". هو قطعاً يشير إلى نسخ البرنامج وبيع النسخ المنسوخة بدراهم معدودة. وهكذا خسرنا محاولة رائعة، ولنا أن نتساءل عن عدد المحاولات الرائعة التي خسرناها!


المشهد رقم 5 "غير حقيقي":-
دكتور جامعي مميز، خبير في مجاله، متمكن، رائع، باحث من الطراز الأول، لا يحب التدريس بقدر ما يحب البحث، ويجد أن التدريس والاختبارات والتصحيح والساعات المكتبية يسرقون من وقت أبحاثه كثيراً. أخيراً وبعد عناء سنوات من استراق الأوقات، أخرج بحثاً علمياً مشرفاً، وكتاباً رائعاً يستحق أرقى الجوائز العالمية. نشرت إحدى دور النشر الكتاب. هناك سيناريوهين متوقعين: السيناريو الأوّل: أن ينتشر الكتاب، وتربح دار النشر كثيراً، وتعطي الدكتور بناءً على حصته مبلغاً رائعاً، يقرر الدكتور بعد ذلك التفرغ للأبحاث والتأليف، فيبدع أكثر، وتزدهي مكتباتنا بإنتاجاته الراقية. السيناريو الثاني: أن يضعف الإقبال على كتابه كوننا في هذه البقعة من الكوكب، وحتى من أراد أن يشتريه، يتوجه جزء كبير منهم إلى النسخة الالكترونية المجانية، فيتناسخونها بينهم "نشراً للخير باعتقادهم". لا تربح دار النشر كثيراً، وربما تتردد في قبول نشر كتاب الدكتور القادم. هه! كتاب قادم؟!


طيب؟!
1.      تخيّل لوهلة لو كان كل الناس مثلك لا يبالون بحقوق الملكية الفكرية (إن كنت كذلك). هل تتوقع أن يزدهر عمل من يعمل؟ لا أعتقد أنني أبالغ إن قلت أن أحد أسباب نهضة الغرب، احترام حقوق الملكية الفكرية. أبالغ؟ على الإطلاق. تخيلوا لو أن معظم الشركات في أمريكا تستخدم نسخاً مسروقة من برامج مايكروسوفت، هل كانت مايكروسوفت لتكون هذا الكيان الموجود حالياً؟! كيف استطاعت أن تنمو وتتوسع وتصبح هذا العملاق العالمي بدون أرباحها الناتجة بشكل أساسي عن شراء النسخ الأصلية؟!

2.      برامج الكومبيوتر الكبيرة، صدقني أخي، لم تكلف عشرة ريالات. هذه الشركات دفعت فيها ملايين الملايين. وعندما تبيعك النسخة ببضعة مئات (وليست قليلة لكن هذا حقها) فهي لا تبيعك البرنامج الذي كلفهم ملايين، هي تبيعك حق استخدام هذه النسخة بناء على العقد الذي تنقر على (موافق) دون أن تقرأه. ربما ينص العقد على حق استخدامه في جهاز، أو ثلاثة أجهزة. لكن ليس من حقك توزيعه بالشكل التي تشاء وبيع نسخ منه بعشرة ريالات!

3.      نحن نعيش في زمان مختلف، وهذه من الأمور الطارئة التي لم يعيشها أسلافنا. نحن المسلمين المفترض أن نكون أحرص الناس على الحقوق، عندما يشترط عليك من يبيعك الكتاب ألا تنسخه (بناء على الكلمات التي تركها لك في الصفحة الثالثة)، فهو يأمرك ولا يرجوك. إن من حقوق الإنسان في هذا العصر حفظ أفكاره واجتهاده المعنوي، وساعات برمجته للبرنامج أو إنشاده للأنشودة أو عزفه للمقطوعة أو تأليفه للكتاب ما دام لم يأذن بنشرها مجاناَ. ثم إن الأمر قانوناً ممنوع، والمفترض أن نحترم ذلك.

4.      قد يكون هذا الكلام جديداً على البعض بشكل أو بآخر. نشأنا للأسف في بيئات لا تحترم حقوق الملكية الفكرية –عامةً- على الإطلاق. سرقة حقوق الأفكار عندنا يفعلها كثير منّا بضمير مرتاح، ولا يرى بذلك بأساً على الإطلاق. قد يأتيني من يقول لي: "طول عمري بأعمل كده". تذكر –عزيزي- أن اقترافك للخطأ في الماضي –جهلاً أو عمداً- ليس مبرراً لاقترافه الآن أو في المستقبل.

5.      هناك من يبحث عن فتاوى. لست بعالماً ولا أفتي بالطبع. جلّ دوري هو أن أحيلك إلى هذا الرابط: http://zlug.files.wordpress.com/2009/03/23-fatwa2.pdf
  هنا ثلاثة وعشرون فتوى في الموضوع، وهو مستند قيّم جمعه: م. نزار السيد أبوذينة. ربما تجد فتاوى مختلفة. فكر في الأمر جيّداً وتذكر أنها مسألة طارئة.


6.      طيب، الكتب أمرها سهل، أما البرامج الأصلية الشهيرة، فجلّها مكلف جداً. ما الحل؟ هنا اقترح عدداً من الحلول:
أ‌.         البرامج مفتوحة المصدر. في اعتقادي أن هذا حل مناسب جداً لكثير من الحالات. باختصار وحسب علمي المحدود، تلك البرامج هي برامج متاحة للجميع مجاناً، لأن أصحابها لم يمانعوا في ذلك وتركوا الرموز البرمجية مفتوحة كذلك. أي أن باستطاعتك حتى تطوير البرنامج وإعادة إنتاجه (قد أكون مخطئاً لكن الخلاصة هي أنها برامج مجانية ولاحرج في الحصول عليها). تتوفر بدائل عديدة لكثير من البرامج الشهيرة. نظام التشغيل لينوكس مثلاً يعد بديلاً عن الويندوز، "جمب" مثلاً يؤدي الغرض "تقريباً وفي أحيان كثيرة" بدلاً من الفوتوشوب. ربما لم تسمع بها لأن بيئتنا عامة لا تمانع في البرامج الأصلية المنسوخة وبالتي لم تفكر في بديل أصلاً.
ب‌.    البرامج الأوفر. ليس عليك شراء الأفضل دائماً. هناك برامج منافسة (قد تكون أضعف) إلّا أنها أوفر كثيراً. قمت بشراء برنامج من شركة ما، بسعر زهيد جداً مقارنة بسعر نسخة البرنامج المنافس الشهير الذي تنتجه أحد عمالقة شركات برامج الكومبيوتر.
ت‌.    إن كنت طالباً ولا تنوي الاستفادة من البرامج في استخدامات تجارية، فبعض البرامج توفر نسخاً للطلاب بسعر أوفر كثيراً.
ث‌.    إن كنت مصرّاً على شراء نسخة البرنامج إياها فلا أملك إلا أن أقول لك: ياخي ادفع! في أحيان كثيرة تستطيع بإذن الله استعادة المبلغ بواسطة عملك.



يا أهل حقوق الإنسان، وحقوق حرية الفكر والرأي والتعبير، نادوا باحترام "حقوق الملكية الفكرية" كذلك.



هناك 3 تعليقات:

  1. أعجبني الموضوع بالإضافة إلى الأسلوب الهادئ, الذي يتميز بطرح الفكرةإلى جانب بعض الطرفة والخيال. كان الموضوع معد بشكل جيد واطلاع مناسب.
    جهد رائع تشكر عليه, الله يكتب أجرك =)

    باسل

    ردحذف
  2. جميل جدا..

    دمت مبدعا

    ردحذف
  3. يا ليت قومي يعلمون...

    لقد أرسل لي أحدهم يخوفني بالله من موسيقى الطبول في كتابي الصوتي فن الحرب، فقلت له بدلا من أن تتهمني بالمعاصي، لماذا لا تنفق أنت من جيبك وتدفع لعمل نسخة صوتية أخرى بدون موسيقى، فلم يرد على هذه النقطة، وأسهب في تأكيد تحريم الطبول..

    ردحذف