2014-08-26

أيام يابانية

كنت قد سمعت عن اليابان القدر الذي جعلني أعتقد أنّه لن يكون بإمكان اليابانيين أن يبهرونني أكثر مما فعلوا. وكم كنت مخطئاً. منذ اللحظة الأولى وحتى اللحظة الأخيرة، كل التفاصيل كانت مدهشة. هذه الامبراطورية تختلف عن سواها في أنّها تقوم على الإنسان. الفرد هنا مقدّر, إهماله إهمالٌ لطاقة الأمة جمعاء، وهذا الإيمان يسكن ضمير الأمة، ويُترجم في أفعال ملموسة. إذا شعر المرء بتقدير ذاته فيمكنك حينها أن تنتظر منه أن يعمل على "تحقيق" تلك الذات، ولعل هذا أحد أسرار اليابان.


سمات كثيرة تجبرك على احترام هذا الشعب وهذا المكان. عندما نثني على محاسنهم فنحن لا نبالغ, ولا يتوجب علينا الإشارة إلى مثالبهم وكأننا بتلك الإشارة نريد أن نبرر عيوبنا نحن. ما يؤلمني هو ما وصلنا إليه نحن قياساً بما حبانا الله به. هناك دول فقيرة, معدمة, تحتاج إلى جهود أكبر حتى تتجاوز مشاكلها الآنية قبل أن تنطلق صوب نهضة حضارية شاملة. على النقيض من ذلك, نقف نحن في موقف تاريخي استراتيجي بثروات هائلة جاد الله بها علينا, ومرّت علينا عقود ولم ننجح –حتى اللحظة- في النهوض لا بالإنسان ولا بالمكان. مؤلم أن نصرف على التعليم -مثلاً- كل هذه المبالغ المستحيلة ثم تكون المخرجات متمثلة في خريجينا "الأكفاء". مؤلم أن تكون هذه حال مستشفياتنا وشوارعنا وأنظمتنا ونحن من نحن. الأمر يتعلق بالإمكانات بالدرجة الأولى. لن تطلب من طالب ذكي فطن ما تطلبه من طالب محدود القدرات العقلية.

ما الذي ينقصنا إذن؟ الإنسان؟ لعلّه الإنسان. الإنسان المتعلم؟! كلا. التعليم أمرٌ لاحق. لدينا آلاف الـ"دكاترة" الذين لم ينجحوا في إضفاء بصمة حضارية على هذا الكوكب. الإنسان الـ"متربّي"؟ لعلها تلك. التربية أولاً. نحتاج إلى جيل نظيف. جيل لم يبتْ على التفكير في شهواته الآنية فحسب. جيل متجاوز. يستشعر مسؤولياته تجاه أمته وكوكبه. جيل بقناعات مختلفة واهتمامات مغايرة.

ما الذي ينقصنا أيضاً؟ النظام؟! لعلّه النظام. نظامٌ يقدّر الإنسان. كلّ الناس أمامه سواسية وفي ذلك تكمن قمة التراحمية رغم أنها قد تبدو قمة الأنانية. عندما يخدم النظام الجميع ففي ذلك انتصار للجميع. الأرملة والمسكين. الغني والفقير. الشاب والعجوز. أما عندما تسود حياتنا الفوضى, وتغشاها الواسطات, والمحسوبية, وتقديم المصلحة الشخصية على المصلحة العامة, فأبشر بتبديد الثروات والمكوث في ذيل الأمم مهما كثرت الموارد. نظام يحاسب المخطئ "كائناً من كان", ويكافئ المحسن "كائناً من كان". في مدينة الملاهي التي زرناها لم يكن هناك مسؤول على باب كل لعبة. توجد لوحة ومؤقت زمني. في ملعب كرة القدم –مثلاً- عليك أن تظل في الملعب عشر دقائق ثم تفسح المجال لمن بعدك. لا يوجد داع لمن ينظم الأمر، النظام مكتوب والناس محترمة!

وفي طريقة التفكير يبيت فرقٌ كبيرٌ آخر. زرنا يوماً معرضاً علمياً يتحدث عن المستقبل. البشر هنا يفكرون باستمرار في كيفية جعل حياة البشرية أفضل. في كيفية تطويع العلم لخدمة الإنسان. بينما نحن نسأل السؤال المعكوس وهو "ما الذي وصل إليه العالم؟", لنقوم باستيراده, وكأننا لسنا جزءاً من هذا العالم، وكأننا ليس لدينا أي مسؤولية تجاه النهوض به!

يأسرني في اليابانيين صفات عدّة لعلّي أشير إلى بعضها. الاحترام. الاحترام المبالغ فيه. عندما تتحدث مع أحدهم يجعلك تشعر أن كلامك مفهوم ورائع ومدهش أحياناً. عندما تعطي لأحدهم بطاقة الأعمال الخاصة بك يتلقفها بكلتا يديه وكأنك أعطيته بعضك. كنت في لقاء تعارف وتواصل أُقيم بالسفارة السعودية جمَعَ جمعاً من الطلاب السعوديين بنظرائهم من اليابانيين. أتاني أحد اليابانيين وطفق يتحدث معي بانجليزيته المهترئة. وبعد مرور برهة لم يعتذر ويغادرني بل اصطحبني إلى شخص آخر وعرّفني عليه وطفقت أتحدث مع الثاني. بعد مدة (وبعد أن انتهى كل ما بوسعنا التحدث فيه تقريباً) نهض الثاني وأتى لي بثالث عرّفه علي وأجلسه بجانبي. وكأنه يعيبهم أن يتركوني وحدي! وفي حادثة أخرى تؤكد خلق الاحترام الذي يتمتعون به، وصلنا إلى أحد الفنادق فوجدنا خارج الفندق بانتظار الوفد وفي الجو البارد أحد كبار مسؤولي الفندق. فجأة، وجدته يميل ليحمل إحدى حقائبنا. لم نطلب منه, لم نكن لنفعل قطعاً. قطّعني إحراجاً وهو يجرّ الحقيبة إلى الداخل.

احترام الوقت وتقديره. العاشرة والربع ليست هي ذاتها العاشرة والثلث. شعب الثانية والدقيقة. التفاني في العمل حد الهوس. كان معنا مرشد ياباني مقيم بالفندق لأجل أن يكون بقربنا واسمه ساتو. اقترحنا عليه أن يخاطب إدارة الفندق لتوفير مكان لإقامة صلاة الفجر جماعة. أخبرنا أن ذلك صعب جداً جداً. أغلقنا الملف وتغاضينا عن الفكرة. في اليوم التالي وجدناه فعل المستحيل بعينه وتم توفير الغرفة. الأعجب -وهنا الشاهد- أنّه كان يستيقظ معنا في الخامسة فجراً ويلبث معنا حوالي نصف الساعة (حتى نتجمع ونصلي ونخرج) ليغلق خلفنا الباب. بالتأكيد بإمكانه أن يصرخ في وجوهنا "هذا ليس عملي!". صلّوا في غرفكم! لن يأخذ مليماً إضافياً. لكنه متفاني. مخلصٌ في عمله. بعد أكثر من يوم، أخبرناه أننا لم نعد نرغب بالغرفة حياءً منه. كان كثيراً ما يجلس معنا في اجتماعاتنا رغم أنّه لا يفهم من حديثنا شيئاً لأجل أن يكون متواجداً إن احتجناه في أي شيء. مذهل هذا الـ"ساتو" والله!
ومما لاحظته أيضاً اعتزاز اليابانين بهويتهم. لن تنهض أمة تستورد هويتها. هذا شعب نهض دون أن يذوب. رغم الـ"عولمة" تبقى كثير من تفاصيل الحياة تجسّد الهويّة اليابانية وتظهر فيها عادات هذا الشعب وتقاليده بجلاء. من ذلك طبعاً اللغة اليابانية التي لا يوجد لها بديل في اليابان على الإطلاق.

ربما يظن ظان أن اليابان هي بلد التقنية. هي بلد الصناعة. هي بلد المحرّكات. لكنها قبل أن تكون كذلك هي بلد الإنسان. بلد تطويع التقنية لخدمة الإنسان. كل تفاصيل الحياة تشير إلى ذلك، ابتداء من كرسي الحمّام المزود بلوحة المفاتيح، وليس انتهاء بالمصعد الذي يراعي ذوي الاحتياجات الخاصة.

نحن فعليّاً لا نحيا في ذات الزمان الذي يحيا فيه أولئك البشر، لكن ذلك لا يدعونا لليأس إطلاقاً، بل يعطينا أملاً في إمكانية تحقيق ما حققوه. هم كائنات بشرية عاقلة ونحن كائنات بشرية عاقلة. أؤمن أنّنا قطعاً سنصل يوماً ما بإذنه سبحانه.


هناك تعليق واحد:

  1. رائع ،

    أود منك إعادة قراءة مقالتك بنظرة ناقدة.

    ردحذف