2014-12-04

لا شيء يريد أن يترككَ لك!

لا شيء يريد أن يترككَ لك!

كل شيء يريد أن يلتهم قطعةً منك. أن يحظى باهتمامك. أن تسمعه. بل أن تصغي إليه. لا أهمية لك. هم أهم. كل شيء أهم منك! كل كل شيء! قنوات التلفاز التي تريدك أن تشاهدها. الصحفٌ التي تود أن تحظى بنصف ساعة من عمرك كل يوم! كل كل يوم! مجلاتٌ تصدر شهرياً تلح عليك أن تشترك فيها، لكيلا يفوتك خيرها العظيم. مواقع الشبكة العنكبوتية التي لا تفتأ تمتلئ بالجديد، غثّه وسمينه، وتنتظر منك أن تطلّع على كل شيء، وتقرأ كل شيء، وتعلّق على كل شيء. قائمة الـ"مشاهدة لاحقاً" على اليوتيوب التي تعجّ بالمقاطع التي تتمنى أن تبصرها ذات يوم. قائمة الروابط في "بوكت" والتي لا تكف عن إرسال كل رابط لا يسعفك الوقت للاطلاع عليه إليها. بلغ بك السخف أن تكتب قائمة للأشياء التي تريد أن تفكر فيها! تفكر فيها فحسب! الأصدقاء الذين قطعتهم ولهم كل الحق في أن تصلهم. الأقارب الذين حقهم أولى وأجل. الجدّات الفاضلات اللواتي يصررن على أن يشاركوك تجربتهن الحياتية رغبت أم لم ترغب. أنت مجرد شاب طائش لم تخبر من الحياة ما خبروه، وجميع ما يقولوه لك يكاد يكون صواباً مطلقاً، أو هو الصواب المطلق عينه. سيمنحن أنفسهن الحق في أن يتخذن قرارات حياتك عوضاً عنك. الحكومة التي تريدك أن تحتفل بيومها الوطني. الشركات التي تريدك أن تشاهد إعلاناتها، وتكترث لها، وتشتري منتجاتها، وتحدّث أقرانك بإعجاب عنها! أبل التي أطلقت هاتفها الجديد، والذي ليس بالضرورة أن يكون فيه شيء جديد، والذي اصطف الناس لشراءه في منتصف الليل وكأنهم كانوا إليه في جوع. عليك أن تتعرف عليه. أن تكترث لأجله. ستأتي سامسونج بعدها لتسخر منه وتطلق هاتفها الأجدد (والذي ليس بالضرورة أن يكون فيه شيء جديد). عليك بعدها أن تقارن بينهما وتتخذ قراراً بأيّهما أفضل رغم أنّك لن تشتري أيّاً منهما على الأرجح. وماذا عن لولي بوب؟ ونظام التشغيل ٨,١ والذي أعادت فيه أبل ألبوم الكاميرا الذي حدفته؟! إن لم تحدث ذات الجهاز فلا أقل من أن تحدث نظام التشغيل. افعل معروفاً في نفسك يا أخي. نظام التشغيل فحسب.


النوادي الرياضية التي تريدك أن تشجّعها من غير سبب يبرر "تشجيعك" لها، وكم تكون بطلاً لو جاوزت التشجيع إلى التعصّب. عليك أن تزدري خصومك الذين لا تدري لم هم خصومك. عليك أن تعيرهم بأخطاء لم يقترفوها وتاريخ لاشأن لهم فيه. عليك أن تفخر بتاريخ لم تشارك في صنعه. تطبيقات الجوال التي تتمنى أن تحتكرك. الواتساب الذي لا يكف عن المواء بالصالح والطالح، ومجموعاته التي لم تختر الانضمام إليها وليس بوسعك مغادرتها. ستقرأ مغرماً نصائح الطبيب المكسيكي الذي اكتشف أن بيض الثعالب مفيد لعلاج قشرة الرأس. هذا العلاج مزّكى من الشيخ "وقّاص المغدور" الذي لم تسمع باسمه من قبل بطبيعة الحال. كل تطبيق من أولئك التطبيقات يعتقد أنّه الوحيد في جوالك، ولو كان الأمر له لأرسل لك مئة إشعار في اليوم والليلة. صديق صديقك قام بالتعليق على صورة صديقك! ياله من خبر مذهل! معارك تويتر التي ينبغي عليك أن تطّلع عليها وتقرر إن كان عليك التعاطف مع رجل الهيئة أم مع خصمه هذه المرة. انستجرام الذي سيملأ حياتك بصور من كل نوع، ابتداء من وجبات العشاء الفاخرة في أرقى مطاعم العالم وليس انتهاءً بالأحذية –أجلّك الله-. عليك أن ترسل إعجاباتك بكثرة وإلّا عُدِدّت من البخلاء. وذلك المراهق المغرور "سناب شات" الذي يلحُّ عليك لتشارك صورة ليطّلع عليها صديق لك لعشر ثوان فحسب ثم تمحى من ذاكرة التاريخ. كم أصبحت ذكرياتنا رخيصة. أما "باث" فهو أخبثهم على الإطلاق حيث أن عليك أن تكون فاعلاً، ترسل القلوب وتشارك اللحظات الخاصة، وإلّا عُدِدَّتَ في عرف الباثيّين "صنماً" وكم يهوى الباثيّون تحطيم الأصنام. الفيسبوك يسألك: بم تفكر؟ تويتر يأمرك: اكتب تغريدة جديدة. بالنسبة لهم أنت مصدر دخل. كلما صرفت عليهم المزيد من وقتك ازدادت قيمتك. هذا المنشور الذي يُلحّ عليك لتكتبه وإلّا لبِثَ يعتمل في صدرك. محل الثياب الذي سيرسل لك أن لديه عرضاً خاصاً لمدة محدودة: ثوبين بسعر ثوب واحد. أنت لست في حاجة إلى ثوبيه في هذه اللحظة التاريخية، لكنّه بحاجة إلى أن يدفع رواتب موظفيه في هذه اللحظة التاريخية. بطارية سيارتك التي أوشكت على الموت. المعلمون الدينصوريون الذين يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً حين يمطرونك بوابل من التكاليف التي لا تنفع ولعلّها تضرّ. 

مشاريعك التي آمنت بها ذات يوم. أحلامك التي تطاردك وتقض مضجعك وتطالب بنصيبها منك. جسدك الذي يستصرخك كل يوم لتمارس الرياضة. وسوسن! سوسن –حذاءك الرياضي الذي ما عاد جديداً- والذي يذكرك كلما رأيته بالغرض الذي اشتريته لأجله. تلك الكتب التي علاها الغبار، وتراكمت بعضها فوق بعض، منتظرة لسنوات أن تُقرأ. مسكينة هي تلك الكتب. حين قدمت أدراجك أوّل مرّة، اعتراها شعور بالشفقة أو الازدراء لِسَلَفِهَا الذي لم يُقْرَأ، وظنّت أن مكتريها لا بدّ وأنّه قد عزم على قراءتها وإلّا لما اكتراها، بيد أنّها مع الأيام أدركت أنّها لم تشترَ لتُقْرَأ، بل لتزيد من عذاب صاحبها النفسي، ولتذكّره بأنّ عليه أن يقرأها فحسب. تلك هي مهمتها الوحيدة. قوائم المهام التي لا تكف عن النمو. وكأنها تكافئك كلّما أنجزت مهمة، بأن تتوالد وتهديك مهاماً جديدةً لتنجزها. ستأجّلها جلّها طبعاً، ربما حتى اللحظة الأخيرة، إن كان ثمة لحظة أخيرة. تونس التي تنتخب. اسكوتلندا التي لم تعد ترغب في الانفصال. ذلك الصوت الداخلي الذي سيخبرك ببلادة لا متناهية أن الوقت موجود وأن المسألة مسألة أولويات. الكل يريد أن يلتهمك. أن ينهشك. لا أحد ولا شيء يريد أن يتركك لك. حتى أنت. لا تريد أن تتركك لنفسك!


تتمنى أن تهرب. أن تأخذ آلة العجائب الخاصة بك –حاسوبك المحمول-، وتسافر إلى كوخ من القش على شاطئ هادئ. لا يوجد فرق كبير ما إذا كان الكوخ في المالديف أو في جزيرة فرسان. المهم أن يكون معزولاً، وألّا تصطحب جوالك، وألّا يكون به اتصال بالإنترنت. لا تريد أن تعرف من توفيّ ومن رُزق بحفيد. من تزوّج ومن خلع ضرس العقل. من اشترت حذاءً ذا كعب عالٍ أو من احتفلت بـ"تخرّج" ابنها من الروضة. تريد الخلوة. العزلة. التحنّث. لتسعة أشهر. لتسعة أشهر فقط. علّك تولد بعدها من جديد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق