2015-12-27

هي نومة الجبناء أو نومة العَجَزَة

أن تعرف فذلك نصف الأمر. أن تمتلك الشجاعة الكافية لتنفِّذ فذلك النصف الآخر. أنصاف الحلول غالباً لا تعمل. لا تعالج سقيماً ولا تحفر نفقاً.
أن تعرف ما تريد. أن تكون متيقناً من معرفتك لرغبتك. فتلك نعمة ولا شك. تلك حالةٌ أفضل كثيراً من أن تكون ضائعاً في صحراء حياتك، تعتقد بمعرفتك لما تريد بين حين وآخر، وتتغير معرفتك تلك بتغيُّرك، ثم تعود لتدرك أنَّك حقيقةً لا تعرف ما تريد. أن تعرف إذن هي الخطوة الأولى. لكن ما نفع المعرفة إن لم تتحول إلى فعل؟ أن تعرف عدد الأوتاد التي عليك أن تَدُقّهَا، لا يعني أنَّك قد نصبت الخيمة. إن لم تكن تمتلك الشجاعة الكافية، الرغبة المستعرة، الجرأة اللازمة لتفعل، فإن معرفتك تلك سَتُعَذِّبك وحسب. لأنك ستعيش حينها فصاماً بين ما تحياه، وما تعتقد يقيناً أنك تريد أن تحياه.
إذا جبنت. إذا كنت أضعف من أن تقرّر. إذا كنت أعجز من أن تفعل. إذا سمحت لنفسك الأمَّارة بالسوء أن تَصُدَّك، أو سمحت لمن حولك أن يقيِّدوا أناملك، أن يشدوا عليك لجامهم، فاعترف بذلك فحسب. اعترف أنّك جبان. اعترف أنَّك لا تتحلَّى بالشجاعة الكافية، لتطارد حلمك، لتشقَّ طريقاً في الحياة تعتقد أنت أنه طريقك. اعترف، وتصالح مع اعترافك، وعش ما لم ترده، ما حاولوا إقناعك أنه لك، ليس عليك أن تقتنع. عليك فقط أن تتصالح.
كلما كان ما تريده أصعب، كلما كان حلمك أنأى عن أن ينال، كانت مقاومتك أنت للفعل أشد، وكان تباطؤك عن المضي قدماً فيه أسرع، وكان همس من حولك أعلى صوتاً وأشد وطئاً وأثقل وقعاً. كلما كان ما تريده أنبل، كان الصوتين الداخلي والخارجي أكثر تقييداً لك. أحسبت أنَّ تَتَبُّعُ أحلامك بلا ثمن؟

الحياة قصيرة. رحلة ذات مسار واحد لوجهة واحدة. هناك، سيغدو كل شيء عشته هنا سراباً. سراب من زمن سحيق. هناك حيث تتبخر كلَّ اللذائذ التي عشتها. حين تمّحي كل الآلام التي مرت بك. كل اللذائذ. كل الآلام. لا يبقى لك سوى ما فعلته فعلاً. فهل تعرف ما تريده فعله فعلاً؟ وهل تمتلك الشجاعة الكافية لفعله؟ إن لم تكن، فتصالح مع نفسك. اعترف بجبنك. أو اعترف بعجزك. لن يخسر العالم شيئاً بجبنك. وعلى الأرجح لن يخسر العالم شيئاً بموتك. تخلّ عن غرورك، فما أنت إلا مخلوق آخر، عبر على ذات القارب، وتنفس من هواء هذه الأرض. تصالح مع نفسك، ونم نومة هانئة. نومة الجبناء أو نومة العجزة.

2015-05-28

قصة قصيرة: من أجل البيض!

- تخيَّلي -سيّدتي الفاضلة- لو كنتِ بيضة. تخيّلي! مجرّد تخيّل. تخيّلي أنّك بيضة في ثلاجة منزلنا. تخيّلتِ؟! أترضين، أترضين -سيّدتي الفاضلة- حينها أن لا يأكلك الناس إّلا في الإفطار؟ أيّ عدلٍ نرتجيه في هذا العالم إذا كان البيض، البيض يا سيّدتي العادلة، لا يُنصف. لقد تربّينا على عنصريّة بغيضة، تجعل لكل شكلٍ من أشكال الطعام وقتاً يُؤكَل فيه، كأنّ للمعدة عقلاً يدرك الوقت، أو كأنّ اللسان له مزاج يتقلّب بتقلّب الليل والنهار. كم هو عجيب، أي حُبِّي، أن نأكل البيض صباحاً لنرضي الناس، ولا نأكله ظهراً تجنّباً لسخطهم. أَوَصَلَ بنا الحال أن تركنا من حولنا يتحكمون حتى في متى نأكل ومتى لا نأكل؟ إنّني من هذا المنبر، من هذا المنبر يا سيدتي الثائرة، أدعو إلى ثورة لاسترجاع حقوق البيض. وهي ثورة فكرية بالدرجة الأولى، قبل أن تكون ثورة سلوكية.
ابتسمتْ له قائلة:
- فلتحيا العدالة! ولتحيا من خلفها حريتك الفكرية/الطعامية! كل ما تشاء يا سيّدي. إنّي آذن لك. آذن لك أن تأكل البيض بالشوكولاته بعد منتصف الليل مادمت تأذن لي أن أكون في حياتك.
قهقه ساخراً قائلاً بكل ثقة:
- إني لا آذن لك أن تكوني في حياتي. قطعاً لا آذن لك.
غمغمت مغتبطة بصوت خفيض:
- ومن قال أنّني أحتاج إلى إذنك أصلاً؟!
تجاهل تعليقها وأنهى إعداد طبق البيض ثمّ وضعه أمامها بسعادة قبل أن يهتف بكل الحماس الذي أشعلته القضية في وجدانه:
- صدّقيني أي حبّي، إنّ الخطب جلل. إن التنازل عن حرية المأكل هي أُولى بوابات التنازل عن كلّ حرية سواها.
ابتسمت له ابتسامة لم يتبيّن كنهها، أكانت ابتسامة إعجاب؟ أم أنّها ابتسامة سخرية؟ تأمّل ابتسامتها وهي تزداد اتساعاً ثم أدرك أنّها تستدير مُغادِرَةً تاركةً إيّاه يأكل بيضه وحده.


#قصة_قصيرة #معتز_وميثاء

2015-05-06

وأمّا الكتابة فأصناف ثلاثة

وأمّا الكتابة فأصناف ثلاثة.
في نوعها الأوّل يكون مصدرها فكرةٌ تسكنك أو خاطرٌ يعتريك. يلوحُ في وجدانك فجأة. على الأرجح سيُصاغ وحده دون أن تطلب منه أو تتدخل في ولادته ونمّوه. يتكوّن تدريجياً، ثمّ يلحُّ عليك أن تكتبه، كأنّ عليك أن تتحمل أيضاً مسؤولية الخواطر التي تعتريك أو الأفكار التي تشتعل من تلقاء نفسها في وجدانك. إن لم تكتب ذلك الخاطر أو تلك الفكرة لبثت تحوم في رأسك كذبابة مزعجة. لا حلّ لتلك الذبابة إلّا طردها أو سحقها. أنت هنا تكتب لتخلّص نفسك من أفكارك وخواطرك، والخلاص من أيّ هم هو على الأرجح خلاص مريح وأحياناً يكون لذيذ وممتع أيضاً.