2015-05-06

وأمّا الكتابة فأصناف ثلاثة

وأمّا الكتابة فأصناف ثلاثة.
في نوعها الأوّل يكون مصدرها فكرةٌ تسكنك أو خاطرٌ يعتريك. يلوحُ في وجدانك فجأة. على الأرجح سيُصاغ وحده دون أن تطلب منه أو تتدخل في ولادته ونمّوه. يتكوّن تدريجياً، ثمّ يلحُّ عليك أن تكتبه، كأنّ عليك أن تتحمل أيضاً مسؤولية الخواطر التي تعتريك أو الأفكار التي تشتعل من تلقاء نفسها في وجدانك. إن لم تكتب ذلك الخاطر أو تلك الفكرة لبثت تحوم في رأسك كذبابة مزعجة. لا حلّ لتلك الذبابة إلّا طردها أو سحقها. أنت هنا تكتب لتخلّص نفسك من أفكارك وخواطرك، والخلاص من أيّ هم هو على الأرجح خلاص مريح وأحياناً يكون لذيذ وممتع أيضاً.

النوع الثاني هو الكتابة التي تقرر أنت أن تفعلها بقرارٍٍ واع. ربّما تشعر بالقلق لأنك لم تكتب منذ مدّة طويلة فتحس بأنّ عليك أن تكتب، كما يشعر فاقد الشهية بأنّه لم يأكل منذ أمد بعيد فيقرر أن يأكل ليعيش لا ليستلذّ بالطعام. أو أنّ تاريخاً يلوح في الأفق عليك أن تسلّم نصّاً ما قبله. تكون النتيجة أن تجتذب لوحة المفاتيح وتجلس أمامها محاولاً استجلاب الكلمات. هذا النوع من الكتابة من أصعب ما يكون. مُرهقٌ ومُتعب، وربما لا تشعر فيه بلذة اللهم إلّا لذّة قراءة كلماتك التي ارتصفت بصعوبة أمامك بعد انتهاءك من عملية الرصف تلك. تلك اللذة هي لذّة الإنجاز الإنسانية إيّاها، وهي ذاتها التي يشعر بها الطبّاخ حال انتهاءه من طبخه، أو النجّار حال انتهاءه من صناعة بابه، أو طبيب الأسنان حال انتهاءه من ممارسة جريمة من جرائمه في فم أحد مرضاه.
أما نوع الكتابة الثالث فهو الكتابة عمّن تحب أو إلى من تحب. هنا تصبح الكتابة عميلة سهلة ومحببّة. أنت هنا لا تكتب بيدك، ولا تُعمل عقلك الذي سيستأذن وينصرف على الأرجح تاركاً لقلبك العنان أن يُملي عليك ما يشاء. تُزال حينها الحُجُب ويُخَلَّى بينك وبين الأوراق أو لوحة المفاتيح. تشعر بدماءك وهي تسير مبتهجة تنشر السعادة في أطراف جسدك بكلماتك التي تشكّلت في فؤادك وانتظمت بعد ذلك أمامك على السطور دون أن تدرك أنت كيف تشكّلت وكيف صارت حيّة أمامك على هذا النحو. تبصر كلماتك فتدرك أنّ فيها شيئاً منك، وتسعد بأبوّتك لتلك الكلمات، ثم تسعد مجدداً حين يمر بخيالك طيف من كُتبت الكلمات من أجلهم ووجوههم التي ارتسمت عليها السعادة أو الدهشة بكلماتك تلك. المشاعر أقوى من الأفكار، هذه حقيقة كونية ليس بوسعك تجاهلها. تكون الكتابة أبهج شيء في دنياك إذن، إذا، وإذا فقط، كانت عن أو إلى أعزّ الناس في دنياك.
#دار_في_خُلد_إنسان



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق