2017-08-26

فيلم بلال: النقاط على الحروف


وأخيراً تسنّت لي رؤية فيلم بلال. الفيلم الذي منّينا أنفسنا برؤيته لسنوات طويلة، وَوُعِدْنَا بأن يتيسر لنا رؤيته وعوداً متتالية. بكل تأكيد فالتجربة ليست سهلة. التجربة تطلبت جهوداً جبارة، وتحدّياً لمستحيلات متعددة حتى تخرج لنا بهذا الشكل المبهر. هل أعجبني الفيلم إذن؟ أم لا؟ الإجابة مركّبة، فقد وقفت على مواطن في الفيلم نالت مني وأدهشتني ومواطن أخرى نلت منها وساءتني. كل ذلك لا يتعارض مع تقديري للتجربة ذاتها، لأن أرى إنتاج أنيميشن عالمي يخرج من هذه المنطقة، ويحمل اسم "بلال" ويكون مستلهماً (وضعوا تحت هذه الكلمة "مستلهماً" خطاً أحمر) من قصة من تاريخنا. 


أعجبني في الفيلم:

  • الجودة الفنية/البصرية. أقول ذلك وأنا أعرف الفرق بين الإنتاج الفني الرديء، والإنتاج المتوسط، والإنتاج القوي. الفيلم فيه بعض المشاهد الخلّابة (مثل مشهد الصحراء أو مشهد الصقر محلقاً فوقها أو مشهد معركة بدر). أقول بكل ثقة أن الفيلم قوي وممتاز تحريكياً. الصورة خلابة. الشخصيات مصممة باحترافية (شخصية بلال مثلاً). البيئات بذل فيها جهد كبير. ومرة أخرى، كل ذلك يكون مثاراً للإعجاب خصوصاً عندما نعرف أن الفيلم خرج من منطقتنا إلى العالم.
  • القضية أو الرسالة. هذا الفيلم يتحدث بوضوح عن رسالة المساواة. عن أن البشر كلهم لآدم وآدم من تراب. عن الحرّية الحقة. هذه الرسالة تم إيصالها من خلال شخصية إسلامية، كان عبداً وتحرر وأصبح رمزاً من رموز التاريخ الإسلامي. رغم ذلك فالفيلم لا يتحدث عن الإسلام. وفي حين عاب البعض على المنتج ذلك، فإني لا أجده سبباً للملامة. أستطيع تفهم وجهة نظر المنكرين، لكن في النهاية الفيلم ليس عن الإسلام. لم يقل بذلك المنتج، وليس مطالباً بأن يصنع لك فيلماً عن القضية التي تتمنى أن يصنع هو عنها فيلماً! فيلم بلال يدور حول قيمة المساواة، وهي قيمة نبيلة يؤكدها الإسلام. هل وصلت هذه الرسالة للمشاهد؟ بالتأكيد! هل سأكون سعيداً بأن يعتنق هذه القيمة ابني وابنتي؟ قطعاً. هل عرف المشاهد قصة الإسلام من خلال الفيلم؟ لا. وليس ذلك ضرورياً لأن الفيلم باختصار ليس هذا موضوعه.
  • هناك مشاهد مؤثرة وقوية وستبقى خالدة في ذاكرتي. مشهد بلال وهو يقول أحد أحد. يرفع سبابته ليؤكد أن إلهه واحد وأنه أحد أحد! أو ذلك المشهد حين يقول بلال: "إلهي يا قوي يا عزيز، يا مالك الملك، عليك نتوكل في السراء والضراء". مشهد بلال وغفيرة في الختام مؤثر جداً وكذلك مشهد بلال حين ارتقى الكعبة وأذّن (شاهدت النسخة العربية من الفيلم).
  • قوّة الشخصية. نجح منتجوا الفيلم في تطوير شخصية جذابة وناجحة إلى حد كبير. أعتقد أن شخصية بلال (كبطل) تم تأسيسها وإيصالها بشكل جيد. البطل لديه قضية يحارب من أجلها. البطل قوي جسدياً وروحياً. البطل يساعد الآخرين (ساعد الطفل الجائع مثلاً). البطل يحب أخته ويغامر بنفسه من أجل إنقاذها. كل ذلك يجعل البطل واضحاً ومتسقاً مع ذاته، ومحبوباً. محبوباً لأنه يمثّل لنا بطلاً نعجب بصفاته ونتطلع لها. 


لم يعجبني في الفيلم:
  • القصة. للأسف النص أضعف مما توقعت. لم نر رحلة حقيقية للبطل. كانت رحلته فكرية أو معنوية ولم تكن بالنسبة لي كافية. السيناريو كان من الممكن أن يكون أجمل، والقصة كان من الممكن أن تكون مشوقة بشكل أكبر.
  • إيقاع الفيلم بطيء جداً مما يبعث على الرتابة. هناك تكرار. وهناك مشاهد ومقاطع كاملة لا تخدم الدراما في الفيلم ولا أرى داع لها. مشهد معركة بدر مثلاً طويل وممل. مشهد لشخصية تسير أو مشهد لركض في الصحراء أو مشاهد تدرّب بلال على القتال، كلها مشاهد طويلة وبطيئة ولا تحرّك أحداث الفيلم.
  • رغم وضوح المعركة التي كان يقاتل من أجلها البطل (معركة الحرية) إلا أن الدافع لم يكن واضحاً وكافياً بالنسبة لي كمشاهد. هل لذلك علاقة بمعرفتي بالدافع الحقيقي وراء نضال بلال؟ لا أعرف. لكن نضال بلال من أجل قضية الحرية لم يكن كافياً ليفعل ما فعل. لم أفهم تماماً ما الذي غيّر بلال (وهو في الحقيقة الإسلام) ولا لماذا هاجر، ولا لماذا حارب وبالتأكيد لم أفهم من هم الخيّالة البيض (الذين فهمت كمسلم أنهم الملائكة) الذين نصروا بلال في معركته!
  • هل الفيلم مناسب للأطفال؟ هل هو موجه لهم ابتداء؟ لست أدري. لكنني لا أعتقد أنه مناسب للأطفال دون التسع سنوات. الفيلم فيه مشاهد عنف متتالية. ونمط فني مخيف للأطفال في بعض أجزاءه (هناك مشهد لسيف يدخل كاملاً في جسد إنسان، ومشهد لدماء بلال على سيف آخر مثلاً).
  • الدروس والعبر. هناك مبالغة في الدروس والعبر والحكم التي تقولها الشخصيات. بدءاً من أم بلال، مروراً بحمزة وأبو بكر وبلال (رضوان الله عليهم)، وانتهاء بالراوي! هناك تصنّع ومبالغة في حشو الفيلم بهذه الجمل التي يفترض أن نحفظها كحكم وتوصل لنا رسائل ملهمة. كثرة هذه الجمل والعبارات تبعث على السآمة.
  • للأسف، الدبلجة العربية كان من الممكن أن تكون أفضل. هناك بعض الاختيارات للممثلين غير موفقة (مثل الطفل الذي لعب دور بلال في طفولته). بالإضافة إلى اللغة المستخدمة. بالنسبة لي كمشاهد كان واضحاً أن الفيلم مدبلج، في حين أن الأفلام المدبلجة المتقنة أكاد لا أشعر بأنها كذلك (مثل دبلجة مركز الزهرة للمسلسلات اليابانية بالعربية الفصحى ودبلجة ديزني قديماً باللهجة المصرية).


حين خرجت من القاعة كنت قد سجلت ملاحظاتي في دفتر الملاحظات وطويتها داخله. تجاهلتها كلها ولم يغب عني شعور السعادة باكتمال عمل كهذا. بأن لدينا في أيدينا فيلماً يحمل قيمة جميلة وتم إنتاجه بطريقة احترافية. تمنيته لو كان أفضل، ولو تجاوز ما أراه أنا من مآخذ، وأعتقد أن لي أن أتمنى ذلك. كما أنني لا أستطيع أن أخفي إعجابي بمنتج العمل الذي استطاع القيام بفعل مجنون كهذا وتجاوز كل العقبات التي لا بد وأنه تعثّر بها في رحلته. بفعله هذا أثبت المنتج لنا مجدداً أن المحتوى الترفيهي من الممكن أن يتضمن قيماً نبيلة، وينجح. كم من الأفلام الترفيهية القيّمة نحتاج سنوياً لأطفالنا؟ أفلام بأنواع مختلفة وأنماط متباينة. أفلام تسليهم وتلهمهم ليكونوا أفضل، ولعل فيلماً كهذا يكون بداية لهذا النوع من الأفلام.

هناك تعليق واحد:

  1. ماشاء الله تبارك الله.. أحسنت أحسنت..نظرة متوازنة غيرت من وجهة عن الفيلم..

    ردحذف